الشيخ محمد رشيد رضا

209

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

علل الاذن بأنه مدافعة في سبيل اللّه وسيأتي تفصيله في الآية التالية ، وعلل النهي بقوله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * أي ان الاعتداء من السيئات المكروهة عند اللّه تعالى لذاتها فكيف إذا كان في حال الاحرام ، وفي ارض الحرم والشهر الحرام ؟ ثم قال * * * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اي إذا نشب القتال فاقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم ، ولا يصدنكم عنهم أنكم في أرض الحرم إلا ما يستثنى في الآية بشرطه وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ أي من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة فقد كان المشركون أخرجوا النبي وأصحابه المهاجرين منها بما كانوا يفتنونهم في دينهم ، ثم صدوهم عن دخولها لأجل العبادة ، فرضى النبي والمؤمنون على شرط أن يسمحوا لهم في العام القابل بدخولها لأجل النسك والإقامة فيها ثلاثة أيام كما تقدم ، فلم يكن من المشركين الا ان نقضوا العهد . أليس من رحمة اللّه تعالى بعباده أن يقوي هؤلاء المؤمنين ويأذن لهم بأن يعودوا إلى وطنهم ناسكين مسالمين ، وأن يقاوموا من يصدهم عنه من أولئك المشركين الخائنين ؟ وهل يصح أن يقال فيهم انهم أقاموا دينهم بالسيف والقوة ، دون الارشاد والدعوة ؟ كلا لا يقول هذا إلا غر جاهل ، أو عدو متجاهل . ثم زاد التعليل بيانا فقال وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ اي ان فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالايذاء والتعذيب ، والاخراج من الوطن ، والمصادرة في المال ، أشد قبحا من القتل ، إذ لا بلاء على الانسان أشد من ايذائه واضطهاده وتعذيبه على اعتقاده الذي تمكن من عقلة ونفسه ، ورآه سعادة له في عاقبة أمره . والفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزغل منهما . ويسمى الحجر الذي يختبرهما به أيضا فتانة ( كجبانة ) ثم استعملت للفتنة في كل اختبار شاق ، وأشده الفتنة في الدين وعن الدين ، ومنه قوله تعالى ( 29 : 2 أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ؟ ) وغير ذلك من الآيات . « تفسير المنار » « 27 » « الجزء الثاني »